طلبت يقيناً...
حكيم الليبي


طَلبتُ يَقيناً مِنْ جُهَينَةَ عَنْهُمُ     وَلَنْ تُخْبِرِينِي يَاجُهَينَ سِوى الظـنِّ


يحضرني هذا البيت لحكيم المعرة وأنا أقرأ كلام من تصدى لإغاثة الحيارى وإفاقة السكارى، فإذا به محتار هو الآخر، فزادهم حيرةً على حيرتهم وليته تركهم لشأنهم ولم يزد الطين بلة، ولا المريض علة..

وقد قلت في مقال سابق اني لا أريد أن أدخل في جدل عقيم، وأشعر كما يشعر غيري أننا وصلنا تقريباً الى هذه النقطة في ما يخص موضوع زواج الرسول من عائشة، فلا هم استطاعوا أن يأتوا بمثالٍ واحدٍ لفتاة في التاسعة تزوجت رجلاً في الرابعة والخمسين، لا من المسلمات ولا من المشركات، ولا من اليهود أو النصارى أو الهنود أو المجوس، لا في السابقين ولا في اللاحقين، ولا أنا بمسَلّمٍ لهم أن فتاةً في التاسعة تطيق الجماع وتستمتع به كما قال باحثنا الشرعي في مقاله السابق..

ووجدت أن اخواننا يصمون ما لا يعجبهم من الروايات التاريخية بالضعف، وكنا قد رجوناهم مراراً وتكراراً أن يبينوا لنا الروايات التي يرونها ضعيفة ومتهالكة وأن يبينوا لنا لماذا حكموا عليها بذلك ولكنهم لم يفعلوا.

ولا تحسب عزيزي القارىء أني ألومهم أو أغضب منهم بل بالعكس: فأنا أشفق عليهم وأتعاطف معهم إذ انهم في وضع لا يحسدون عليه! فأصحاب العقول الدينية مجبورون أن يصدقوا الشيء ونقيضه، ولم يتعودوا على طرح الأسئلة فضلاً عن الإجابات، ولطالما كتموا هذه الأسئلة في صدور أصحابها، وكمموا الأفواه وذبحوا الناس كما فعلوا مع الجعد بن درهم، ولطالما قدموا المفكرين الى المحاكمة كما فعلوا مع طه حسين، ولطالما حرضوا عشاق الحور العين على المفكرين ليقتلوهم كما فعلوا مع فرج فودة، ولطالما فرقوا بين الرجل وزوجه كما فعلوا مع نصر حامد أبو زيد والقائمة تطول...

وجد أخواننا أنفسهم في حيرة من أمرهم بعد ظهور شبكة المعلومات: فلم يعد باستطاعتهم القتل والحرق والتقطيع والتشهير، ولم يعد باستطاعتهم السكوت وهم يرون الغطاء ينكشف عن ما طوته القرون، فكان ولا بد أن يحاولوا ولأول مرة منذ قرون أن يستعملوا تلك الزائدة في جسم الانسان المسماة العقل بدلاً من مبضع الجراح...

والمشكلة هنا ان العقل لن يسعفهم في هذه المغامرة بالذات، اذ ان العقل لا يقبل الشيء ونقيضه، ولذلك تجد أحدهم يكتب لنا ما تيسر من كلام متضارب لا يصدقه عابر السبيل ثم يخرج في المقال التالي شاكياً باكياً أن لم نقتنع بكلامه وكأن مجرد تسويد الصفحات هو في ذاته حجة، فمن ملأ صفحتين فقد أتى بحجتين ومن ملأ ثلاث صفحات فقد أتى بثلاث حجج وهكذا..

وكما وعدت سأتجاوز عن قصة زواج الرسول من عائشة حتى لا يصاب القراء بالملل وأدخل مباشرة في الرد على ما ورد في مقال الباحث الشرعي والذي سماه "اغاثة الحيران من وساوس الشيطان "، وبكل أمانة وصدق وجدت أن هذا المقال يزيد الحيران حيرة، ويصيب من لم يكن محتاراً بالحيرة! واتي ببعض الأشياء التي سأتوقف عندها:

1- بدأ الباحث بتوطئة عن الشبهات وانه لا يستطيع انفاق عمره في الرد عليها وقال ان الله رد بنفسه على هذه الشبهات، وأريد منه أمثلة على هذه الردود، فكما قلت سابقاً انه كلما سأل أحد من الناس سؤالاً مشروعاً جاء رد السماء مرغياً مزبداً ناعتاً السائل بالسفاهة دون أن يرد على سؤاله كما في موضوع تحويل القبلة وغيره. فلو كان القرآن قد رد على أي شبهة بطريقة منطقية مفحمة فأرجوه أن يأتينا بها ويسعدني أن أناقشها في مقالات قادمة.

ثم انه لو صح أن الله رد على هذه الشبهات بنفسه لكان ذلك خطأً، فالشبهات كما قال باحثنا لن تنتهي الى قيام الساعة، ونحن لا نتوقع من الله أن يرد على أي من هذه الشبهات خاصة بعد أن حكم على نفسه بالصمت الأبدي في تلك اللحظة الحاسمة من عمر الزمن التي مات فيها محمد وانقطع فيها الوحي، ولذلك كان الأولى أن يرد الرسول على الشبهات حتى يتبعه الدعاة في هذا.

2- وقال ان وظيفة الرسل هي دعوة الناس الى دين الله وليس الرد على الشبهات، وكنت قد طرحت سؤالاً عن السبب في عدم عرض الرسول الاسلام على مايقارب ثمانمائة شخص من بني قريظة من بينهم أطفال قبل ضرب أعناقهم اذا كانت وظيفته هي الدعوة الى الله؟ واذا كان هدف الله من ارسال الرسل هو هداية الناس فلماذا لم يعط الفرصة على الأقل لهؤلاء الأطفال لكي يؤمنوا؟ واذا كان الله يقول أنه لا تزر وازرة وزر أخرى فكيف جاز له أن يقتل الأطفال بجريرة آبائهم وأن يقتل عامة يهود بني قريظة بجريرة زعمائهم؟ وأرجو أن لا يستدل بقصة ذلك الغلام المسكين الذي قتله الخضر فلعمري ان إلهاً يخلق طفلاً ثم يأمر نبياً أو عبداً صالحاً بقتله لهو إله لا يدري ماذا يفعل.. وكان الأولى به أن لا يخلق الطفل أصلاً اذا كان يخاف على والديه من الفتنة، الا إذا كان الغرض من خلقه هو جعله وسيلة ايضاح بشرية لموسى، ولا نحسب أن موسى يحتاجها إذ أن له تجارب في قتل البشر وما قصة المصري القتيل منا ببعيد.

3- قال الباحث أن الرد على الشبهات يتطلب الشرح والتفصيل واقامة الدليل، وسبق له أن قال أن الشبهات التي أتيت بها ليست جديدة، فاذا كانت ليست جديدة فلا بد أن أحداً من العلماء السابقين قد رد عليها فما عليك أيها الباحث الا أن تنسخ هذه النصوص وتلصقها في مقالة، وإذا كانت جديدة فان مهمتك كباحث شرعي وداعية أن تبين للناس، فحتى لو كنت متأكداً أن اجابتك لن تنفعني فانها ولابد ستنفع أناساً آخرين قد خالطهم الشك.

4- قال بعد أن اتهمنا بالجهل اننا نخلط الغث بالسمين، وتغرينا الأخبار الكاذبة، وهذه نفس دعوى الأخ سالم بن عمار وغيره، ونحن لا نزال ننتظر أياً من هذه الدعاوى هو الغث وأيها السمين، أما فتح الباب على مصراعيه برفض ما لا يعجبك فانه يفقد كلامك أية مصداقية ولا شك.

5- كما نعتنا بعدم فهم لغة العرب وأرجو من القارىء أن يتذكر هذه النقطة لأني سأعود اليها فيما بعد، كما نعتنا بقلة الانصاف والاعجاب بالنفس وأقول له: دع عنك هذا واشتغل بما فيه فائدة فأنا أستطيع أن أزعم نفس الشيء في حقك ويبقى الحكم هو الحجة فأت بما عندك مشكوراً.

6- شبهنا الكاتب بالدواب وقال انه يريد أن يعرف مسبقاً عدد الشبهات التي تحيرني، وأنا لا أسلم له بأن هذه شبهات بل هي أسئلة، ومصطلح "الشبهات" انما وضعه الحواة ليتفادوا به اجابة ما أحرجهم من الأسئلة، وهذا ما يجري عليه كاتبنا... وأذكره بقوله في عدة مواضع ان هذا الصراع لن ينتهي الا بانتهاء الصراع بين الحق والباطل، فهاهو كاتبنا يعرف الاجابة مسبقاً ويقررها فلم يسأل؟ ثم أذكره بقول القرآن انه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) فمهما أتينا به من اختلافات فعليه واجب تبيانها ولا يجب عليه أن يتقاعس عن هذه المهمة وهو الباحث الشرعي والا فمن سيقوم بذلك؟

7- قال الكاتب انه يريد أن يعرف عقيدتي لكي يعرف كيف يرد، وهذا أمر غريب إذ أن هذه الأسئلة قد يطرحها عليك شخص نصراني أو يهودي أو هندوسي يدرس دين الاسلام ويكون قد وقع عليها في الكتب أوسائل الاعلام أو غيرها فهل لديك اجابات مختلفة لكل منهم؟

وأود هنا أن ألفت النظر الى نقطة مهمة ومفيدة في فهم العقلية الدينية فهي تعتمد على غسل دماغ المتلقي بدعاوى الحكمة والاعجاز حتى إذا أذعن المتلقي صار من السهل تمرير ما تيسر من الخوارق بدعوى أنها من الله وان التسليم بها واجب، وعجز العقل عن ادراكها ... الخ، ومن الطريف ان قصة عجز العقل عن الادراك هي ذاتها حجة عقلية، فهم يستخدمون العقل للاستدلال على عجز العقل!!.. ثم اذا كان العقل عاجزاً عن ادراك هذه الخوارق التي يأتينا بها الأنبياء فلماذا كلفنا الله بادراكها والايمان بها وهو القائل (لا يكلف الله نفساً الا وسعها)؟ .. وهل من العدل أن تطلب من شخص أن يفعل شيئاً وانت تعلم أنه لا يملك عدته؟ وماذا سيستفيد الاله من أناس يهزون رؤوسهم ويؤمنون بالأحصنة المجنحة وعقولهم لا تقبلها؟ وتأمل عزيزي القارىء تشابه العقل الديني فهذه هي نفس الحجة التي يستخدمها من يقدس البقرة إذ انه يزعم ان هذا انما يدرَك بالتسليم والايمان وليس بالعقل.

8- قال الباحث وآخرون ان الافضل هو ان يكون النقاش منصباً على الايمان بالله واقامة الأدلة على ذلك، وهذه من العجائب أيضاً، فاذا كانوا لم يستطيعوا الاجابة على أسئلة في صلب دينهم وعقيدتهم فكيف سيدخلون في متاهة اثبات الخالق ؟ وهل ترى ستنفعهم الكتب الصفراء عندها؟

وهب مثلاً أننا اختصرنا الطريق وسلمنا بوجود الخالق فكيف ستصل من هناك الى اثبات علة الخلق، والنبوءات وصدقها من حيث المبدأ، واثبات نبوءة محمد على وجه التعيين؟ واثبات ان القرآن هو كلمة الله، وأنه لم ينله التحريف ... الخ فهذا طريق طويل لا أحسبكم تملكون عدته ودون اثبات ذلك خرط القتاد. وأصحابنا في هذا كالتلميذ الذي رسب في امتحان الصف الرابع فطلب من الأستاذ أن يأتيه بأسئلة امتحان الصف السادس عسى أن يكون فيها ما يستطيع الاجابة عليه وهيهات.

9- قال ان من الكفار، ويبدو انه يقصدني، من لا يسلم لك بشيء مهما أقمت الدليل عليه وأنا لا زلت أنتظر هذا الدليل ولنر بعد ذلك ما يكون، وقال ان وظيفة المؤمن هي اقامة الشرع واخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الى سماحة الاسلام، ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة!! وسأعقب على هذه العبارة إذ أنها شائعة الاستخدام بين الاسلاميين يرددونها في مجالسهم وكتبهم بغير وعي كما يرددون عبارة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" فأقول:

من المعلوم أن المسلمين غزوا معظم أمم الأرض من فرس وروم ومصريين وأمازيغ وأسبان وهنود وغيرهم.. ولم نعرف أن أحداً من هؤلاء تعرض للمسلمين بخير ولا بشر، وادّعَوا في ذلك هذه الدعاوى العريضة من تحرير الناس وهدايتهم الخ.. ومن المعلوم أيضاً أن من دافع من هؤلاء الناس عن وطنه وبيته كان مصيره القتل، ومن استسلم كان مصيره الأسر والعبودية ودفع الجزية عن يد وهو صاغر، ناهيك عن أخذ النساء والاطفال سبايا وتقسيمهن كالمتاع بين الهداة الفاتحين... وتعلم عزيزي القارىء أن اسلام المرء لا يعفيه من العبودية فحتى من أسلم تحول الى عبد مسلم!... فقل لي يا سيدي: أي تحرير هذا الذي تزعمه وقد أخذت أناساً كانوا أحراراً وجعلت منهم عبيداً يباعون في الأسواق ويشترون؟ وأي سماحة للاسلام تلك التي تسمح ببيع رجل حر أو امرأة حرة في الأسواق؟ وأي سماحة تلك التي تجد بها امرأة عفيفة نفسها ملكاً لأعرابي يطؤها بملك اليمين حتى لو كانت متزوجة بدون استبراء رحمها مصداقاً لقوله (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم )؟ وكيف تقتل شخصاً وتنهب ماله وفرسه وبيته وتجامع زوجته وبناته وتبيعهن في الأسواق ثم تزعم أنك أخرجته من ضيق الدنيا؟ وأي ضيق أضيق مما أتيت به يا سيدي؟ وهذه الدعاوى العريضة تشبه دعاوى الشاعر توبة بن الحمير في زيارته لليلى الأخيلية وهي امرأة ذات زوج في قوله:

علي دمـاء البدن ان كان زوجها    يرى لي ذنــباً غيـر أني أزورهـا
واني إذا ما زرتها قلت يا اسلمي    وهل كان في قولي اسلمي ما يضيرها؟


وأذكر في هذا قول الأصمعي بأن هذه "شكوى مظلوم وفعل ظالم"، ودعاوى باحثنا لا تختلف كتيراً فهم يحتلون البلاد ويقتلون الرجال وينكحون النساء ويبيعون الأطفال ويغنمون الأموال ثم يزعمون انهم انما يخرجون الناس من الظلمات الى النور ومن الضيق الى السعة فتأمل!

10- أضاف الباحث بعض المفردات الجديدة الى قاموس الشتائم الشهير فاتهمنا بالتعالم والبلادة والجهل وضعف الادراك واننا من الشراذم واننا كذبابة الصيف الخ.. وخلص الى قوله ان من طعن في عرض عائشة لن يتورع في الطعن في زواج الرسول منها وقد أجبت عن هذا الكلام في مقال سابق وهو أن الرسول أنزل آية في براءة عائشة فكان لابد لقصة الإفك أن تبقى والا كان لزاماً حذف الآية من القرآن أو بقاؤها بلا تفسير، فكيف يتصور أن تختفي القصة وتبقى الآية؟

11- وسقنا أمثلة كثيرة في مقال سابق عن الاغتيالات السياسية في عهد الرسول كاغتيال عصماء بنت مروان وأبي عفك وسلام بن أبي الحقيق وأم قرفة، وغيرهم فاختار الكاتب أن يتجاوز عن هذه الاغتيالات وليته قال ان هذه القصص غير صحيحة وجاءنا بالدليل ولكنه لم يفعل... والسبب في إيرادي هذه الأمثلة أن أبين أن هناك أناساً كثيرين بعث اليهم الرسول من يغتالهم لقولهم الشعر، فهل من التجني القول أنه قد يكون من الناس من أراد أن يقول شعراً فألجمته هذه الاغتيالات؟ واذا كان المسلمون لا يخفون هذه الأشعار فهل له أن يأتينا بها؟ ولعمري ان شعراً يكلف صاحبه حياته لجدير بالناس أن يتداولوه وبكتب التاريخ أن تذكره فلماذا اختفى هذا الشعر؟

12- وقال ان الله عاتب المؤمنين لأنهم ظنوا السوء بعائشة وصفوان، ولا أدري ان كان هذا العتاب يشمل الرسول أم يستثنيه، إذ أنه كما أثبتنا راوده الشك في عائشة بدليل اعراضه عنها وعدم مخاطبتها، وعدم جلوسه عندها شهراً حتى طلبت ان تذهب الى بيت أبيها، وأخيراً بدليل قولها بلسانها (لقد استقر في أنفسكم وصدقتم به)، وكان الأولى بالرسول أن يظن بزوجته خيراً كما يأمر باقي المؤمنين... ولا يملك الانسان نفسه من التأمل في هذا المجتمع الذي يتهم زوجة نبيه عائشة بالزنا، وأم ولده مارية بالزنا، ويقول بعضهم أنه سيتزوج عائشة عندما يموت محمد، فما هذا المجتمع الايماني؟

13- وسألني ماذا كنت سأفعل لو طعن أحد الناس في عرضي، وسأسجل اعتراضي لدى القراء الكرام على شخصنة الموضوع واللجوء الي فقه التشهير، وسأجيبه مع ذلك: إذا طعن أحد الناس في زوجتى فاني اما أن أكون واثقاً من برائتها وخلقها فأعاملها بمزيد من اللطف والحنو إذ أن هذا الادعاء الباطل يشوهها كما يشوهني ويسوؤها كما يسوؤني، كما اني سأصب جام غضبي على من افترى على زوجتى ولن أصبه عليها. اما إذا كنت متشككاً فيها فانه ماكان ينبغي للعلاقة الزوجية أن تستمر ولربما أعرضت عنها وأحجمت عن كلامها وأرسلتها الى بيت أبيها كما فعل الرسول مع عائشة. أما اذا ثبتت لي براءتها فيما بعد فلن أزعم اني لم يداخلني الشك قط كما تزعم انت الآن، بل سأعتذر عن سوء ظني بها، وعن اعراضي عنها وعن ارسالي اياها الى بيت أبيها. وترى عزيزي القارىء أن الباحث أقر لنا بأن الرسول كان شاكاً في عائشة ولذلك يلتمس منا أن نعذره.

14- قال الباحث أن مفسدة تَـقَولِ الناس على الرسول بمثل هذا الزواج هي غير معتبرة في نظر الشارع، وهذا خطأ جسيم: اذ أنه من المعروف ان هذه القصة هي مما يستخدمه النصارى واليهود وغيرهم في انحاء الأرض للطعن في نبوة محمد وأن كثيراً من الناس انما يستدلون بهذه القصة كسبب في عدم اقتناعهم بنبوته، فاذا كان الله يعلم ان هذا الزواج سيعوق أغلب أهل الأرض عن الايمان فلم لمْ يتدخل لمنعه؟ واذا كانت إعاقة ملايين البشر في كل زمن عن الايمان ليست بالمفسدة المعتبرة فما هي المفاسد المعتبرة في نظرك يا فضيلة الباحث؟

15- أقحم باحثنا اسمي آينشتين ونيوتن في رده على قصة نزول جبريل بصورة عائشة ونعتنا بضعف الادراك، ولا أدري لم يقحم عالمين كهذين أفنيا عمريهما في البحث والاستدلال في قصة ملاك ذي أجنحة يركب حصاناً اسمه حيزوم ينزل من سابع سماء على الأنبياء المسنين بصور طفلات صغيرات لكي يتزوجونهن؟ وهذا أيضاً من مظاهر العقلية الدينية التي لا تستطيع أن تنكر مثل هذه الخرافات لمجرد ورودها في النص، ولو ورد مثلها في كتب النصارى أو اليهود لاتهموهم بالايمان بالخرافات وبانهم كالانعام بل هم أضل ..الخ..

16- وصفنا بذبابة الصيف وطلب منا ان نبين منهجنا في قبول الروايات التاريخية، ومنهجي ببساطة هو أنني أقبل ما كتبه علماء الاسلام عن الاسلام الا ماثبت كذبه، ولا أحتج عليك بما كتبه المستشرقون لأنك ستدعي أنهم ما كتبوه الا من باب العداوة للاسلام، ولن أسقط الروايات التاريخية المتظافرة لمجرد أنها لا تروق لك، والمشكلة أنك انت لا تقبل هذه الروايات على رغم تظافرها ووردها في كتب كثيرة وبروايات عديدة، وبدون أن تأتي بدليل على ضعفها من تحقيق سندها مثلاً ، فأرجو منك أنت أن توضح موقفك من الروايات التاريخية، فلا تخبط خبط عشواء كما تفعل الآن بل قل بكل صراحة أن هذه الرواية أو تلك ضعيفة وهات الدليل.

ومقولة ان التاريخ يكتبه المنتصر ليست من اختراعي، فلو قدر لهتلر أن ينتصر في الحرب العالمية الثانية لجلس تشرشل في قفص الاتهام كمجرم حرب ولكنا ننظر الى الحرب بنظرة أخرى اليوم... وهذا لا يعني أن المنتصر باستطاعته أن يخفي كل أثر لأي خبر لا يتفق معه فهذا مما لا يستطاع، ونحن لم نكذب خبراً تاريخياً معيناً لكي يتهمنا بما يتهمنا به وكل ما قلناه أن هناك الكثيرين ممن قالوا أشعاراً دفعوا حياتهم ثمناً لها وأن هذه الأشعار اختفت بقدرة قادر فهل له أن يأتينا بها؟

ولو قرأ باحثنا كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين لعرف أن دعوى طمس المسلمين لكثير من الشعر الجاهلي الأصلي واختلاق بديل له لكي يتوافق مع القرآن ويفسر بعض مصطلحاته المبهمة وقصصه التاريخية المختلقة هي ليست من اختراعنا وانما فصّلها طه حسين في كتابه هذا منذ ثمانين سنة، ومن المناسب أن نذكر أن طه حسين تعرض للأذى والتشهير وقدم للتحقيق وسحب كتابه من الأسواق .. ولمن أراد الاطلاع على هذا الكتاب القيم أن يتصل بي على بريدي الالكتروني وسأزوده بنسخة الكترونية منه.

17- قصة مارية: ولمن لا يعرف هذه القصة فهي واردة في صحيح مسلم ومفادها أن رجلاً اتهم بالزنا بمارية القبطية جارية الرسول وزوجته وأم ولده ابراهيم فما كان من الرسول الا أن أمر علياً بأن يذهب ويضرب عنق هذا الرجل. ووجه الاعتراض هو أن الرسول كان ينبغي عليه أن يتبع الشريعة في أمر كهذا وأن لا يأخذه الغضب فيأمر بقتل الرجل بدون دليل.. والشريعة تقول بأن من قذف شخصاً بالزنا فان عليه الاتيان بأربعة شهود عدول رأوا الواقعة بالتفصيل الذي نترفع عن ذكره فان لم يفلح فانه يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أبدا.. هذه هي الشريعة ياسيادة الباحث فنرجو منك أن توضح لنا الآتي:

- لماذ لم يتبع الرسول شريعته في احضار الشهود وأمر علياً بضرب عنق الرجل؟
- وكيف يأمر الرسول أن يقتل رجل بالظن الذي ثبت براءته منه فيما بعد؟
- وكيف يأمر الرسول بقتل الرجل ولا يأمر بقتل المرأة وهي شريكته في ذلك؟

وتغافل الباحث عن هذه الأسئلة المشروعة واتهمنا كعادته بالجهل والسفه، وساق مقدمة عن محاسن التدوين عند مسلم وأشعاراً عن البخاري ومسلم وأيهما أفضل ولا أدري ما علاقة هذا بموضوعنا!! أما اجابته فدارت حول عدة نقاط:

الأولي: أن مسلم ساق هذا الحديث بعد واقعة الافك وفي باب براءة حرم الرسول من الريبة، وأنا لم أتهم مارية كما لم أتهم عائشة وسؤالي عن مخالفة الرسول لشريعته فما علاقة هذا بذاك؟ وهب أن مسلم بن الحجاج أورد هذا الخبر في باب آخر فهل يعد ذلك دليلاً على جرمها؟

الثانية: أن الرسول أراد أن يثبت للناس براءة مارية فأمر علياً بقتل الرجل وهذا عجب من العجب، فاذا كان الخير كل الخير في تطبيق الشريعة فلماذا يلجأ الرسول الى خلافها؟ وهل يحق لكل انسان اتهمت زوجته بالزنا أن يحمل سيفه ويذهب ليقتل المتهم آملاً أن يتضح له ان المتهم مجبوب الذكر؟ أليس هذا أقرب الى شريعة الغاب يا سيادة الباحث؟

الثالثة: قال ان هذا مندرج في باب السياسة الشرعية أو الحكم بالفراسة، وها هي دعاوى صلاح الشريعة لكل زمان ومكان تتساقط فاذا كان الحاكم ذو الفراسة يأمر بقتل الناس بدون دليل فكيف يفعل الحاكم الذي لم يؤت من الفراسة حظاً يذكر؟ وكيف نؤسس قواعد قانونية على شريعة كهذه؟ ولنفرض أن رجلاً قتل رجلاً آخر بدون دليل وادعى أن فراسته دلته على ذنبه فما حكمه في شريعتك المطهرة؟ وكيف ستعاقبه وهو يقتدي بالرسول؟

الرابعة: شبه هذه القصة بقصة سليمان، وأنا أعترض عليه في هذه القصة إذ ان اسنادها منقطع ولا شك، فلا نعلم شخصاً روى مباشرة عن سليمان الذي عاش قبل الرسول بما يزيد عن الألف سنة، ومع ذلك فسنقبل هذه القصة ونقول له: شتان ما بين الحالين: فسليمان أمر باحضار السكين وهو يعلم في قرارة نفسه انه لن يقتل الصبي ولكن الرسول لم يذهب بنفسه الى الرجل لكي نقول انه لم يكن ينوي قتله بل أمر علياً أمراً واضحاً مباشراً بضرب عنق الرجل ولو لم يكن الرجل مجبوباً لقتله لا محالة فأين وجه الشبه؟

الخامسة: لعل القارىء الكريم يذكر في النقطة الخامسة أن الباحث اتهمنا بعدم فهم لغة العرب ثم فسر قول الرسول لعلي (اذهب فاضرب عنقه) بانه لا يقصد ظاهر العبارة، ولا أدري ماذا تعني هذه العبارة في اللغة العربية التي لا أفهمها ويفهمها باحثنا..!! ولعله يدلنا على هذا المعنى المجهول!

السادسة: قال ان علياً لعله انتبه الى مراد الرسول، فأقول: اذا كانت حياة الناس وأعراضهم رهناً بفهم علي للألغاز الشرعية فقل على الأرض السلام، وباحثنا يريد منا أن نقتنع أن رسولاً هو من أفصح العرب لساناً يقول لشخص (اذهب فاضرب عنقه) ولكنه لا يقصد ذلك!! فمن الذي يتلاعب باللغة لأغراضه هنا؟ واذا سلمنا لباحثنا بهذا فكيف يكون لنا أن نحتج بأي كلمة أو جملة بعد اليوم؟ وما أدراك أن المقصود بأقيموا الصلاة هو إقامة الصلاة؟ وكيف تجزم في حديث ما اذا كان الرسول يقصد ظاهر كلامه أو يقصد غيره؟ ونحن لو قلنا بمثل هذا الكلام لهاجمونا بدعوى هدم الدين فمالكم كيف تحكمون؟

وهذه وقفة أخرى مع العقلية الدينية فقد وصف باحثنا علياً بالفقه والحكمة لأنه لم يقتل الرجل إذ وجده مجبوباً، ولو قدر أن علياً قتل الرجل لوجدنا باحثنا نفسه يمدح علياً بقوله أنه ينفذ أوامر الرسول ولا يسمح لعقله العاجز بمناقشة من لا ينطق عن الهوى ولاستدل بقصة قتل الخضر للغلام.. الخ! فأصحاب العقلية الدينية لا يستخدمون عقولهم بل يسخرونها لتبرير ما ورد في النص مهما كان فيه من تضارب.

وتبقى كل التساؤلات السابقة في هذه القصة ونضيف اليها الآتي على سبيل المقارنة:

- لماذا لم تتبرع السماء بآية لتبرئة مارية كما تبرعت بآيات لتبرئة عائشة؟ وهل لهذا علاقة بكون عائشة حرة ومارية جارية؟ وهل لهذا علاقة بكون المتهم بعائشة أنصاري حر والمتهم بمارية هو عبد ليس بذي حسب ولا نسب؟

- طالما احتج علينا باحثنا وغيره أن الرسول لا يعلم الغيب في قضية عائشة ولذلك لم يجزم ببرائتها حتى نزلت الآية، فكيف أصبح الآن عالماً بالغيب في قضية مارية فعلم أن الرجل مجبوب (ليس له ذكر) وأرسل علياً لقتله عالماً ان علياً لن يقتله لكي يظهر براءة زوجته؟

- ولماذا لم يتنظر الرسول شهراً أو شهرين كما انتظر في قصة عائشة! وما يدريك لعل الله أن ينزل آية تبرؤها بعد شهر أو شهرين؟ ولماذا لم يحاول اثبات براءة عائشة مثلاً بينما جهد في اثبات براءة مارية؟

- حقيقة كون الرجل مجبوباً تعني أنه لم يمارس الزنا بمفهومه الشرعي ولكنه لا يعني بالضرورة برائته من ممارسة أعمال أخرى هي دون ذلك، فهذه البراءة ليست قطعية كبراءة عائشة فلماذا لم تتدخل السماء لتبرئة مارية براءة قطعية؟

- ألم يكن من الواجب حسب الشريعة أن يجلد الرسول من تقولوا هذا القول الفاحش في زوجته مارية وفي هذا الرجل الذي كاد يفقد حياته؟ فلماذا لم يفعل ذلك كما فعل في قصة عائشة عندما جلد حمنة بنت جحش وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وتغافل بلباقة عن عبدالله بن أبي بن سلول على الرغم من أنه هو الذي تولى كبره منهم بشهادة القرآن وبدليل حديث عائشة؟

ألا ترى عزيزي القارىء أن اجابة الباحث طرحت مزيداً من الأسئلة؟ ألا يحق لنا أن نعلن انتحار أبي الأسود الدؤلي احتجاجاً على تفسيره لجملة (اذهب فاضرب عنقه) بأنها لا تعني "اذهب فاضرب عنقه؟" أليس من المؤسف أن يشطب باحثنا اللغة العربية بعد أسبوع واحد من شطب زميله سالم بن عمار لقمم شوامخ كالطبري والقرطبي والزمخشري وابن كثير الذي أعلنا انتحاره احتجاجاً في مقال سابق؟ ألا ترى أن الحيران الذي تطوع باحثنا باغاثته انما يزداد حيرة بهذه الردود المبهمة؟ هل هذا ما وعدونا به من اجابات وهم يسقطون في كل مقال قاعدة ويشطبون عَلَماً؟

وفي الختام، أعتذر لكم أعزائي القراء عن الإطالة وأستودعكم عقولكم حتى لقاء قريب إن كان في العمر بقية...